سقوط نظام الأسد في سوريا: تحول استراتيجي أم بداية لاضطراب جديد يرهق السوريين من جديد.

34

// رشيد البحراوي// المغرب /
شهدت سوريا احتجاجات سلمية تواليا لأحداث الربيع العربي سنة 2011، كامتداد لما شهدته تونس من مظاهرات عجلت برحيل زين العابدين وهروبه إلى المملكة العربية السعودية. وبحكم موقع سوريا الاستراتيجي في الشرق الأوسط، تحولت المطالب الشعبية إلى ثورة مسلحة موجهة من أطراف خارجية خصوصا من أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران الشيعية وداعمها الرئيسي روسيا.
كان النظام البعثي الطائفي مدعوما إيديولوجيا من روسيا لعلاقاته التاريخية بالنظم الاشتراكية البائدة، ومن إيران لارتباطات عقائدية شيعية، ومصالح النظام الإيراني الذي يعتبر كخط إمدادات عسكرية إلى الجنوب اللبناني الذي يحكمه حزب الله الشيعي، على الحدود الشمالية للكيان الصهيوني؛ ثم تأثير الوضع المضطرب في العراق الذي تسعى إيران إلى تعزيز وجودها فيه بعد سحب أمريكا لقواته، وانهيار تنظيم الدولة وتصفية قياداته.
لم تكن تركيا بمنأى عن الوضع في سوريا، واستغلت الوضع لتتوغل بالشمال السوري، لوقف الهجمات الكردية وخلق منطقة عازلة بعدما سيطرت قوات سوريا الديموقراطية المناوئة لتركيا على مناطق كبيرة بالشمال.
ويبدو أن روسيا أخيرا تخلت عن دعمها المطلق لنظام بشار، لما تكبدته من خسائر كبيرة في حربها ضد أوكرانيا، حرب طال أمدها وتحولت لحرب استنزاف كبرى بعدما عمدت أمريكا وحلفاؤها لدعم لامشرط لأوكرانيا دبلوماسيا وعسكريا، وعمدت إلى إضعاف الدب الروسي الذي يحارب في أكثر من واجهة، وحليفه الوحيد إيران. ولم يقدر بوتين على الدفاع على مناطق نفوذه التاريخية وتخلى عن دعم أرمينيا ضد أدريبدجان المدعومة من تركيا، ليخسر الأرمن إقليم كراباخ في أيام قليلة ويوقعوا اتفاقا لوقف إطلاق النار مدعنين، ليتجنبوا غزوا أذريا أوشك على الحدوث.
رحيل بشار بعد اجتياح المعارضة للعاصمة دمشق في غضون أيام يعتبر صفقة روسية محضة الخاسر الأكبر فيها النظام الإيراني الواهن، بعد الضربات الموجعة التي تلقاها من الكيان الصهيوني، وانكشاف سوءته في استباحة قتل إسماعيل هنية قائد حماس على أراضيه وقائده لحزب الله حسن نصر الله بالجنوب اللبناني، واستهداف منشآته العسكرية، واكتفت الدبلوماسية الإيرانية بالتهديد والوعيد بالرد القاسي المؤجل على إسرائيل.
الصفقة الروسية بمبادلة سوريا بوقف الدعم الغربي لأوكرونيا كان واضحا، لكن ماذا ربحت إيران من حربها ضد إرادة الشعب السوري لسنوات واصطفافها إلى جانب روسيا بالسلاح والجيش؟
ربحت إسرائيل عزل حزب الله وقطع الطريق على الإمدادات العسكرية الإيرانية.
هذا المشهد يحيلنا على صفقات روسيا في يوغوسلافيا سابقا، عندما سحبت دعمها لسلوبودان ميلوزفيتش، وتركته يواجه مصيره في محكمة الجنايات الدولية.
فهل ربح الشعب السوري سلاما عندما تقاطعت مصالح الداعمين للحرب السورية أم هي هدنة مؤقتة للعودة إلى اضطرابات مدعومة لفصائل المعارضة من طرف إيران لاستعادة تواجدها العسكري في سوريا وفتح طريق الإمدادات العسكرية للجنوب اللبناني؟
لكنه هذا المشهد مستبعد في ظل حالة الوهن الذي يعيشه النظام الإيراني، وخفوت أسطورته النووية، وركونه إلى القبول بواقع الهزيمة الاستراتيجية في قفزاته العسكرية بالمنطقة.
وضع جديد بدأت تظهر معالمه في الشرق الأوسط، ترسمه أمريكا وينزله ابنها المدلل إسرائيل على الأرض، وإبادة غزة والتوغل بالجنوب اللبناني وتعزيز السيطرة على الجولان المحتل ماهي إلا عناوين للتطبيع مع تغول القوى الكبرى في تجاوز تام لما سمي “القانون الدولي” في قاموس الدول المستضعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.